أمشى فى الشوارع بتوجيه خفى رسخه الاعتياد، وعقلى سارح فيما هو أبعد من الخطوات التى لا تتعثر ببلاط الأرصفة المكسر، أو البلاعات المواربة أغطيتها فى قلب الشوارع.
أسبح فى أمواج المشاة بشوارع وسط البلد، أتسلل بين السيارات قاطعًا الطريق فى شارع 26 يوليو بالزمالك، وأتهادى بين الحدائق التى لم تقسُ عليها مقصلة التطوير فى شارع القنال بالمعادى، وأتنقل بين الأرصفة والطريق مراوغًا ركنات السيارات وطاولات الكافيهات على الرصيف فى شارع بغداد بمصر الجديدة.
لدى جولات مشى طويلة، ممتعة أو مُرهقة بحسب الأفكار التى تشغلنى، أمر بها على معالم أكاد أحفظها من المطاعم والكافيهات والقهاوى البلدية، ولدى معرفة لا بأس بها بالمكتبات ومحلات الورد فى تلك المناطق. وأزعم بأن لدى فكرة حتى عن توزيع بعض قطعان الكلاب على النواصى التى أمر بها.
يخفت مع الاعتياد الانتباه لمحيطى، وتتراجع الرغبة فى تأمل ما هو معروف بالضرورة فى جولات المشى الطويلة، فأعود إلى الانسحاب إلى عالمى الخيالى، أغذيه بانفصالى عن العالم، ويغذينى بطاقة تمكننى من التغلب على إرهاق المشى والضجر.
مع هذه الحالة لم أفقد الاتصال بالكتابة تمامًا، لكن الكتابة نفسها فقدت شيئًا ما، ربما نبض يبثه التأمل فى الحياة – التى تُسمى بالواقعية – فيجعل الكتابة حية. ولا أستطيع تعويض هذا النبض لا بالخيال، ولا بالقراءات، ولا حتى بجلسات الأصدقاء – قد تعلمنا من قبل أنَّ لكل شىء دورًا لا يقوم به غيره.
***
فى الأسابيع الأخيرة؛ صرت أتوقف كثيرًا أمام محلات بيع الساعات، حتى تلك التى تبيع اﻹصدارات اﻷصلية من اﻷنواع فاخرة، وأتأمل بعينين أضيقهما وأنا أحسب فى رأسى اﻷسعار، ما المبلغ المعقول فى مقابل قطعة أرتديها من أجل الزينة؟ فلم يعد هناك من يحتاج إلى ساعات يد غير ذكية.
أندهش من كم محلات ساعات اليد التى بدت كما لو أنها ظهرت لى من العدم فى هذا الوقت، أعرف كل معالم الشوارع التى تعودت على المشى بها طوال السنوات الماضية، وكنت لأقطع جازمًا بانعدام وجود هذه المحلات قبل عدة أسابيع.
اليوم أرى الساعات فى كل مكان، فى محلات تبيع الساعات ضمن اﻷدوات المكتبية، وبأخرى تقدمها ضمن طيف من الهدايا، حتى بعض محلات اﻷدوات الكهربائية تعرضها للمشترى العابر، أما محلات الساعات نفسها فهى ليست بالقليلة، سواء كانت تبيع النسخ المُقلدة أو اﻷصلية.
كنت ﻷقول إن خوارزميات السوشيال ميديا قد التقطت اهتمامى – أو شكلته – ومن ثم وضعتنى فى غرفة صدى تعيد فيها وتزيد عرض منتجات الساعات، لو أن اﻷمر تعلق بمحتوى إلكترونى فحسب، ولكن أنا حقًا محاصر بوجود مادى للساعات لم يكن موجودًا – فى وعيى – قبل أسابيع قليلة، ﻷننى ببساطة لم أكن أهتم. أو هكذا ظننت!
***
فى إحدى جولاتى؛ قادتنى قدماى إلى ميدان إبراهيم باشا، حيث ينتصب تمثاله، فى الظلام، خلف أقمشة خضراء، نُصبت من أجل “التطوير”، والذى بدا أنه أصاب على نحو ما جراج العتبة. تمشيت فى الممرات الواقعة أسفل مبنى الجراج، وبها العديد من محلات الساعات، لكننى وجدت كثيرًا منها أُغلقت أبوابها ورُفعت لافتاتها؛ فانتابنى ذلك الشعور المُر بالفوات.
سيطر علىّ ذلك الشعور الذى عرفته صبيًا، نوع من الشجن النابع من فوات الفرص، والحنث بالوعود، إذ عاهدت نفسى فى طفولتى البعيدة بأن أشترى لنفسى ساعة من ذلك المكان ما إن تتوافر لى الموارد المالية، ونسيت أو لعلنى تناسيت اهتمامى بالساعات تجنبًا للإحباط، إلى أن توارى الاهتمام تمامًا.
أستطيع اليوم شراء ساعة أو أكثر من المحلات التى تبقت فى المكان، أو من أى مكان آخر؛ وبالتالى لا داعى لاجترار الشعور بالحنين واﻷسى. هذا ما يقوله منطق العقل، لكن للشعور منطق مختلف، وربما يضغط علىّ ليعلمنى درسًا عن الاستجابة الفورية – إن أمكن – لنداء الاهتمامات فى اﻷوقات المناسبة. ماذا يفيد الكهل شراء قطار لعبة تمناه فى طفولته؟
***
هناك صورة لنفسى كنت قد نسيتها، طفل فى الحادية عشرة، ليس لديه من يتطلع إليه فيصبح على صورته، يسيطر عليه قلق عما يكونه بالضبط، يراقب الطريقة التى يتحدث ويمشى بها الآخرون، يقتبس منها ما يجعله مقبولًا أو مختلفًا، على حسب. يحرص على ارتداء نظارة طبية لا يحتاجها، يقتنى الدفاتر والأقلام والكُتب. ضمن هذه الصورة يرتدى نسخة مقلدة من ساعة كاسيو الرقمية، كان معنى الرقمنة مختلفًا آنذاك، يضعها فى ساعده الأيمن، يقلبها ليظهر سوارها كما لو كانت “أسورة” فى يده. كنت أعرف شخصًا كان يرتديها على هذا النحو وأردت تقليده.
وأنا على هذه الصورة لم يكن يُسمح لى بجولات مشى تتعدى ميدان التحرير، بل أغلب جولاتى كانت فى حدود حوارى السيدة زينب وشوارع بركة الفيل والحلمية، وكنت أعرف كل محلات الهدايا والمكتبات ومحلات الساعات فى المنطقة، شىء ما حدث منذ أُفلت زمامى، فقدت الساعات مكانتها عندى، أو لعل العالم تغير، وأهال التراب على تلك المحلات أو هذا النوع من المقتنيات والهدايا.
أحيانًا أشعر بأن هناك فجوة هائلة فى الوعى والذاكرة بين العالم حول هذه الصورة وبداخلها، وبين ما أعيشه الآن. فى هذه الفجوة، كانت الشوارع عادية، أمشى بها دون تمهل، لا أكلف نفسى عناء التأمل، ولا أجد بها ما يستحق الكتابة. وها أنا الآن أرى وجهًا من الصورة القديمة منعكسًا فى واجهات محلات الساعات، وأنا أقترب بإفراط من زجاجها، ويتشكل من أنفاسى بخار ماء، ينتظر أصبع طفل يرسم اسمه على آثاره، لكنى أنا والطفل لا نجرؤ على هذا.
أين بقية النشرة يا مصطفى؟
سؤال وجيه، وأتمنى ألا تعزو سر هذا الاختصار غير المخل إلى الكسل، والذى أتمتع بقدر لا بأس به فى واقع الأمر، غير أنى فى الحقيقة أجرب معك أسلوبًا وتصميمًا أكثر بساطة يعكس شخصية هذه النشرة، وهى أنها رسائل شخصية أشارك فيها خواطرى ومشاهداتى حول الكتابة وعبرها. وأظن أننا فى العموم لا نتبادل رسائل يكاد يصل طولها إلى 900 كلمة، كما هو حال هذه الرسالة.
السؤال هو…
متى كانت آخر مرة وجدت فيها فكرة تستحق الكتابة وكانت معروضة فى إحدى واجهات المحلات؟
على فكرة