قطعت سكون الليل طرقات متتابعة على باب الشقة التى فى الطابق اﻷخير، وتناهى إلى مسامعى على بُعد طابقين صوت أم طارق وهى تكرر ندائها لابنها من خلف الباب. وعبثًا حاولت النوم فى ظل هذا الوش. وكان من المفترض أن أنعم بليلة هادئة غاب عنها – على غير العادة – ضجيج ورشة اﻷخشاب، التى تطل عليها شرفة غرفتى.
على سبيل العزاء؛ قلت لنفسى إن امرأة عالقة خارج شقتها فى ساعة متأخرة، تتمسك بأمل عجيب فى أن يسمع نداءها ابنها – والذى يتصادف أنه أصم – فيفتح لها الباب، هى فكرة قصة جيدة. غير أننى صرفت النظر عن الفكرة بتسرب النعاس إلى رأسى، أو لعلنى لم أجد مجالًا للتعاطف مع أم طارق التى تضرب ابناءها كل يوم تقريبًا؛ فكيف يمكن لى الكتابة عن شخصية لا أتعاطف معها؟
غابت الفكرة، وتبدد السؤال من ذاكرتى، كما يغيب ويتبدد أى شىء لا أدونه، لكن اﻷفكار عادة ما تشبه فى حركتها حركة المد والجذر، تقترب وتبتعد من الوعى فى دورات، فإذ بسؤالى يعود إلى ذهنى وأنا أعيد قراءة رواية اﻷخوة كرامازوف لدوستويفسكى.
استهل الكاتب روايته بمقدمة عن فيودور كارامازوف، وهو اﻷب الذى تدور حول مقتله الرواية، وُصف فيها بأنه من الناس الذين يجمعون بين طبيعة سيئة رديئة منحطة، وبين قدر كبير من السخف. ثم فى موضع آخر يُوصف بأنه طفيلى يأكل على موائد الناس، على الرغم من امتلاكه ثروة ضخمة.
وسألت نفسى أى نوع من التعاطف تبناه دوستويفسكى تجاه شخصيته بعد هذا الوصف؟ واستعجبت من أنه يُنظر لدوستويفسكى على أنه رائد الرواية متعددة اﻷصوات، والتى يُمنح فيها شخصيات الرواية استقلاليتها، بحيث لا تكون موضوعًا للأحكام الشخصية للكاتب، أو تكون مجرد أداة للتعبير عن أفكاره، إذ يرى الناقد الروسى ميخيل باختين أن دوستوفيسكى قد أوجد صنفًا روائيًا جديدًا لا يمكن حشره ضمن أطر الرواية الأوروبية التقليدية، واسمى هذا النوع بالرواية البولوفينية (متعددة اﻷصوات).
يُعنون الفصل الثانى من الكتاب الثانى لهذه الرواية بـ “المهرج العجوز”، وهى إشارة إلى شخصية وسلوك كارامازوف، حيث تظهر فظاظتها فى لقاء دُبر فى الدير، بحضور غريمه النبيل مايسوف، واﻷب سوزيما وتلاميذه من الرهبان، ومن ضمنهم أليوشا ابن كارامازوف، وذلك للتباحث بشأن خلافه مع ابنه ديمترى حول ميراث اﻷخير من والدته.
ألمح فى هذا الفصل حس مر فى الفكاهات الثقيلة التى يحكيها كارامازوف، واستهزاءً واضحًا من معتقدات ومكانة الموجودين، وتنكشف هذه المرارة عندما يقر بأنه ليس إلا مهرجًا، وأن اللغو الذى يتدفق بين شفتيه ما هو إلا محاولة ﻹدخال التسلية إلى نفوس الناس، فيصير مقبولًا لديهم.
يظهر هذا الاعتراف شعورًا راسخًا بالدونية لدى الشخصية، إلى الدرجة التى شجعته على النيل من اﻵخرين بالسخرية منهم ومن معتقداتهم، حتى وإن صاحبت هذه السخرية الحط من قدر نفسه، لا شىء يهم طالما يعرف كارامازوف أنهم جميعًا ينظرون إليه بازدراء.
يقول باختين فى كتابه “شعرية دوستويفسكى” إن الشخصية الروائية تتكون عادة من ثلاثة أبعاد هى شكلية ونفسية واجتماعية، يهتم الكاتب التقليدى برسم هذه الأبعاد فى خياله لتجسد صورة شخصيته الروائية، بينما يهتم دوستويفسكى بما تمثله هذه اﻷبعاد للشخصية، إذ تعد الأبعاد الثلاثة مادة لتأمل البطل نفسه، ويشكل منها وعيًا ذاتيًا.
وفى هذا المشهد بالذات نستطيع أن نطبق نظرية باختين، فنحن نكتشف كيف يرى كارامازوف نفسه، وما هى وجهة نظره عن اﻹيمان المسيحى، وقصصه التى لم تبد له منطقية بل ومثيرة للسخرية، وما هو منطقه فى خلافه المالى واﻷخلاقى مع ابنه ديمترى.
نفس الوعى بالذات، والصراع بين الشعور بالدونية والرغبة فى النيل من الآخرين، يستدعى لدى شخصية شايلوك المرابى من مسرحية تاجر البندقية لوليام شكسبير، عندما استعرض دوافعه ﻹصراره على استقضاء دينه من لحم مدينه وغريمه أنطونيو، إذ يقول بسخرية ودون مواربة إنه سيستخدم هذا القصاص فى شفاء غليله، من غريمه الذى حقره وازدراه وسخر منه وهزئ من عمله وسب قومه، مرجعًا سر ازدراء أنطونيو له إلى كونه يهودى.
وهنا مجددًا نفهم دوافع الشخصية ونرى منطقها، وهو منطق أخلاقى يتسق مع رؤيتها لنفسها، كموضوع للظلم والتمييز على أساس الدين، وتكشف عن رؤيتها للعالم فى شرح شايلوك للعدالة من وجهة نظره، إذ يستنكر فى بقية حواره عدم شعور الآخرين بأن اليهود بشر يحق لهم ما يحق لغيرهم من الرغبة فى الثأر قائلًا:
ألسنا إذ وخذتمونا ننزف دمًا، وإن دغدغتومنا نضحك، وإن سقيتمونا السم نموت، وإن آذيتمونا ننتقم؟ فنحن نشبهكم بهذا كما نشبهكم بهذا كما نشبهكم بكل ما سواه. أما جزاء اليهودى الذى يضر بنصرانى أن يثأر منه؟ إذن فاليهودى وقد ائتسى بأسوة النصارى أن يثأر منهم إن أضروا به. سأعاملكم بمثل الشدة التى تعاملونى بها.
يحيلنا باختين إلى آراء أوتو كاوس، الناقد وعالم النفس النمساوى، إذ يرى أن تعددية المواقف اﻷيدولوجية والتى تناقض بعضها هى الخاصية اﻷساسية لروايات دوستويفسكي، إلى الحد أن هذه الروايات تبدو وكأنها تبرر كل وجهات النظر المتناقضة، ويرجع كاوس هذا إلى حقيقة أن روايات ديوستيفسكي ليس لها مؤلف واحد، فى إشارة إلى أن شخصيات دوستيوفسكي تمتعت بقدر من الاستقلالية عن كاتبها جعلتها تساهم بمنطقها الخاص فى كتابة العمل.
ومعنى هذا أن مفهوم التعاطف ليس تآذرا عاطفيًا أو تبنيًا أخلاقيًا لمواقف ودوافع الشخصيات المكتوبة، وإنما منحها ما تستحقه من استقلالية عن آراء كاتبها، ولا يحدث هذا إلا ببناء تصور واضح عن وعيها بذاتها وبموقعها وموقفها من العالم.
وإن أردت أنا كتابة قصة أم طارق، فموقفى الشخصى منها ليس مهمًا، بالقدر الذى يهم معه اكتشاف دوافع تقبلها هى لاختياراتها وسلوكها، وحتى إيجاد منطقًا لطرقاتها العبثية على الباب، حتى وإن كان من خلفه لا يسمع صوتها ولا أصداء طرقاتها.
السؤال هو…
هل صادفت شخصية فرضت استقلاليتها عنك ككاتب إلى الدرجة شعرت معها أنها تكتب نفسها؟
نصوص رسائل موازية
العزيز مصطفى،
لا تتخيل مدى اندهاشي عندما لأجد رسالتك بعنوان: كل المحلات الخفية تبيع الساعات؛ فقبل ربع ساعة فقط، قررت شراء ساعة رقمية. كان قرارًا مفاجئًا، خاصة أنني أكره الوقت، ولا أستخدم الساعات منذ فترة طويلة، بل أميل دائمًا إلى استخدام الساعات القديمة، كأنها خارج قياس الزمن الحديث.
ربما كان السبب الأول أن أجبر نفسي على الانخراط في عالم التكنولوجيا، ومحاولة إقناع نفسي بأن حياتي قد تصبح أكثر انتظامًا داخله. وربما السبب الثاني كان عرض التقسيط الذي بدا كأنه فرصة لن تتكرر. وربما هناك سبب ثالث أكثر غموضًا: أنني أردت أن أشتري شيئًا لنفسي، أي شيء، كنوع من المصالحة الصغيرة مع الحياة.
لكن المفارقة أنني أشتري شيئًا يرتبط بشيء أكرهه. ليس الساعة نفسها، بل الوقت. الوقت هو عدوي الأول. ذلك الذي يقيس كل شيء، ويضغط على الإحساس، ويحوّل الرغبات إلى مواعيد، والذكريات إلى مسافات، والطفولة إلى شيء بعيد لا يمكن استعادته إلا عبر زجاج واجهة متجر.
لذلك بدا لي قرار شراء الساعة وكأنه ليس اقتناءً لشيء جديد، بل مواجهة مباشرة مع هذا العدو. كأنني لا أضع الوقت على معصمي، بل أضع نفسي داخله.
تحياتي،
فاطمة راجح
***
العزيزة فاطمة،
نسخت رسالتك من واتساب لأضعها هنا فى رسالة بريد إلكترونى، لكى أحتفظ بها، فإعدادات واتساب لا تسمح ببقاء الرسالة لأكثر من سبعة أيام. وهى الإعدادات التى اخترتها بنفسى، لذا لا ينبغى لى الشكوى منها.
لا أعرف سر العداء بين نشرتى البريدية وهوتميل، فيمنع وصول رسائلي إليكم. كنت أتوقع أن يشفع لى أن أول بريد إلكترونى أنشأته استخدمت فيه هوتميل، وكان عنوانه: Special_guy17. قد يظهر من هذا العنوان نرجسية زائدة، لكنه فى الحقيقة دليل على شعورى الدائم بأننى دخيل. على كل حال: إن لم تصلك هذه الرسالة، أعدت إرسالها عبر واتساب مجددًا.
سعيد بأن تدوينة هذا العدد تسببت فى هذه المفارقة. أما بالنسبة لكره الوقت، أو فواته، فأظن أننا لم نُخلق لنتصالح معه، نحاول طبعًا، لكن نظل فى سباق معه، وكنوع من الحكمة، أو العزاء، نقول إن مروره أكسبنا الخبرة أو الحكمة أو حتى النسيان، وبهذه المنح الإجبارية نصيغ القصص والشعر والنظريات.
نفس الأمر قد ينطبق على الإيقاع المتسارع لخطى التكنولوجيا، خاصة لجيلنا – جيل الوسط – الذى وجد نفسه بين عالمين؛ عالم فيه طفولته بترتيباته المُحكمة، وعالم فيه شبابه وكهولته بتحديثات لا يمكن استيعابها، ومع ذلك علينا التصالح مع ضرورتها، والتصالح مع حتمية الصراع معها لأننا لا نريد – فى ظل مواكبتها – إفلات نسخة قيدمة ومُرتبة مننا ومن الزمن.
على كل حال؛ مبروك على الساعة الرقمية، وبالتوفيق فى مواجهتك. واسمحى لى بنشر هذه الرسالة فى العدد القادم من النشرة
وافر مودتى،
مصطفى
***
العزيز مصطفى،
أسعدني كثيرًا أن تصلني رسالتك، رغم عناد هوتميل وإعداداته السخيفة. وأوافقك تمامًا أنه لا ينبغي لنا الامتعاض من الإعدادات التي اخترناها لأنفسنا، ففي نهاية الأمر يمكن – بضغط زر – إعادة ضبطها. ما أخشاه حقًا هو الإعدادات التي أعدّها لنا عدونا المشترك: الزمن.
وأوافقك الرأي أيضًا في بريد هوتميل؛ فمنذ أن أنشأته، وكل الرسائل المهمة تصلني إلى مجلد الـ Junk. صرت مضطرة دائمًا لتصفح هذا المجلد، حتى أنني أحيانًا أنسى تفقد صندوق الوارد أصلًا، لأن الرسائل المهمة كلها هناك، وكأن صندوق الوارد أصبح مكانًا عابرًا، بينما تختبئ الأهمية دائمًا في الهامش.
أما مرور الزمن، فلم يمنحني الحكمة ولا الخبرة، لكنه جاد عليّ بالنسيان بشروطه الخاصة؛ مثل نسيان مواعيد الأدوية، أو نسيان أشيائي الثمينة، أو حتى الطعام على النار… لكنه ظل بخيلًا جدًا حين تعلق الأمر بنسيان آلامي!
وبخصوص نشر الرسائل بيننا، لك مطلق الحرية بالطبع.
مع خالص مودتي،
فاطمة
ترشيحات للقراءة
لم تسمح لى كوثر الشريفى – ربنا يسامحها – بنشر رسالتها الطويلة التى علقت فيها على مقال العدد العدد السابق، ويشفع لها أنها – المسكينة – تلقت المسودة الأولى من مقال العدد السابق كرسالة شخصية إليها، قبل تحويل إليها مقال. في المقابل سمحت لى بالإشارة إلى النص التالى من مدونتها المهجورة.

ساعة رقمية
22 يونيو 2019
خلف هذا الحاجز الزجاجي الذي تراقبين الناس من ورائه، يقطن عالم لا ينتمي لهذا العالم التي تركضين فيه الآن. تعتادين الركض دون أن تقفي للحظة لتسألي نفسكِ شيئًا.. ألم تتوقفي عن حب القهوة منذ وقت طويل، لا سيما تلك الفورية المصنوعة على عجل؟
كل شيء هنا مصنوع على عجل. حتى المشاعر تصنع على عجل، وتنتهي على عجل.. لا وقت سوى لما هو “سريع” و”فوري”. حتى وقتكِ هذا الذي تكتبين فيه عن كل هذا الجنون، تحسبينه بالثانية على ساعتكِ الرقمية بعجل. قراءة المزيد
على فكرة