الرسائل (1): المداومة.. تدنيس للمُقدس

أدومها

سأختصر مُنجزي في هذا العدد من النشرة في تكرار تلك الخطوة الأولى التي اتخدتها منذ أسبوعين بإطلاق العدد صفر، بخطوة صغيرة أخرى، وهي إرسال عدد جديد منها إلى مجموعة أكبر من أصدقائي. مُتبعًا الحكمة من “أحب العمل إلى الله أدومه وإن قل”.

أشكر أصدقائي العشرة الذين سجلت بنفسي عناوينهم الإلكترونية ضمن قائمة المشتركين بالنشرة، وقد فتح جميعهم رسالة النشرة (يمكنك الإطلاع على العدد صفر عبر هذا الرابط)، وبعضهم غمرني برسائل تشجيع واقتراحات.

وقرر 4 منهم إعادة تسجيل “ايميلاتهم” بأنفسهم مرة أخرى عبر نموذج الاشتراك بالنشرة، لسبب أجهله – شكرًا يا جماعة على التأكيد والتشديد، وأعدكم أن تصلكم رسالة العدد الجديد مرة واحدة.. لا تقلقوا من الإزعاج!

أضيف لقائمة المشتركين 10 من الأصدقاء المقربين، وأتمنى أن ينال العدد الجديد جميع المشتركين جديدهم وقديمهم، وأدعوكم جميعًا إلى تمرير هذه النشرة لمن هو مهتم بـ “الكتابة عن الكتابة”، إما بتمرير هذه الرسالة، أو بإرسال هذا الرابط إليهم لتسجيل “إيميلاتهم” فيصلهم العدد القادم من النشرة.

المداومة.. تدنيس للمُقدس

مصطفى علي أبو مُسلم
من الغريب أن أشرح فائدة “ورش الكتابة” لأستاذي وصديقي معتز صلاح، إذ أن علاقتنا التي امتدت لأكثر من ربع قرن هي بالأساس ورشة كتابة ممتدة، غمرني فيها بمعارفه ومنظوره الفريد عن الكتابة، فضلًا عن انخراطه منذ زمن طويل في الكتابة عن الكتابة، وله مسودة كتاب لم تر النور عن تعليم النشء فنون الكتابة، بالإضافة إلى إعداده وتنظيمه للعديد من ورش الكتابة منذ أكثر من عقد من الزمان.

كنا نجلس على مقهى “علاء الدين”، مقهانا المفضل، في الحقيقة هو المقهى المفضل لي وحدي، لأنه الأقرب لمنزلي في السيدة زينب، وأستدرج إليه أحيانًا أصحابي، على سبيل الكسل، ثم أدعوها “قهوتنا”، باعتبارها أفضل اختيار للجميع!

وبعدما قضى معتز أكثر من ساعتين يستعرض وحده قراءاته ومشاريعه الروائية، ويقفز بينها في رشاقة يلهث عقلي خلفها، سألني عن مشروع روايتي، لقد قرأ منذ عام تقريبًا نواة المشروع وبدايته، ثم بعض فصوله المتقدمة في الترتيب وغير المترابطة، ثم حجبت عنه قراءة بقية عملي، على أساس أني منخرط في ورشة “كتابة الرواية الأولى”، ويطلع فيها على مسودتي الأولى، وهي قيد التطوير، 6 أشخاص هم مدرب الورشة و 5 من الزملاء، وهذا شيء زائد عن الحد قليلًا أثناء عملية الكتابة، ونويت أن أطلع معتز على عملي بعد انتهائي من المسودة الأولى.

لم أحتمل برد ديسمبر ونحن جالسين على القهوة، ولم أكن حينها قد اتخذت قرار ارتداء الملابس الشتوية، إذ لا ارتديها قبل منتصف الشهر، فطلبت أن نستكمل حوارنا أثناء تسكعنا في الشوارع، طلبًا للدفء الذي لم يغيب عنه لأنه يرتدي، كما هي عادته منذ مطلع الخريف، ثلاث طبقات من الملابس، وعلى رأسه أحدى قبعاته، وكانت هذه المرة قبعة صياد مموهة بدرجات من الأخضر والزيتي، وبدا لي حينها كشخصية روائية مكتوبة عن رجل خمسيني تقاعد مبكرًا من أجل التفرغ للكتابة، ومعتز في حقيقة الأمر شخصية فريدة من نوعها يمكنني الكتابة عنها مباشرة دون معالجة أدبية، وهذه رغبة مؤجلة على أية حال.

“أقول لمعتز الذي تصله هذه النشرة: هذا غيض من فيض يا صديقي.. ولا أعرف إلى أين ستأخذني الكتابة عنك في المرات القادمة”

بدت لي تجربة العام الأخير مع الكتابة جيدة بما في الكفاية، إذ لا يمضي يومًا إلا وكتبت عددًا معقولًا من الكلمات إما في روايتي أو يومياتي ومؤخرًا في رسائلي، ولم أعد أعاني من “قِصرَ النفس” أمام الأعمال التي لا أنتهي من كتابتها في جلسة واحدة، وعلى رأسها الرواية، ولم أكتسب ميزة النفس الطويل دفعة واحدة، وإنما بالتدريج، وأدين بالفضل لعدة عوامل على رأسها شيئًا لاحظته أثناء المشاركة في بعض ورشة الكتابة التي شاركت بها العامين الماضيين.
وفرت لي الورش التي التحقت بها، وكان أغلبها مع معتز ثم مع صديقتي زهرة عبد الله، والكاتب محمد عبد النبي، احتكاكًا مباشرًا مع أقراني، ممن يخطون خطواتهم الأولى في كتابة الرواية، أو من هم مثلي قد بدأوا مبكرًا رحلة الكتابة، لكن لضرورات الحياة أو مُشتتاتها، ابعتدوا عن مسارهم في هذه الرحلة.

ولاحظت اشتراك الكثير مننا في عدة أشياء تعطلنا عن عملية الكتابة، وتؤجل حتى البدء في المشاريع لأسبابا أحيانًا ما تكون واهية، وعلى رأسها بالطبع “تقديس” الكتابة، أي وضعها في مكانة عالية، يصاحبها شعورًا زائفًا بعدم الجدارة، فينتظر الكاتب سنينًا من أجل تحصيل معارف ومهارات، أظنه لا يكتسبها إلا بتورطه في مشروع سردي، حتى يبدأ في هذه المهمة الكبيرة والمُقدسة.

لا شك أنني لا أشجع على ممارسة الإدعاء، ولا تبني مقولة “Fake it till you make it”، ولا أحب جرأة الجُهال على نوع أدبي فريد يستلزم موهبة وإطلاع ودأب في الممارسة، لكن هناك الكثير من الأشياء لا تُصقل إلا بالممارسة، وممارسة الكتابة لا تعني النشر بالضرورة.

ولا سلاح أفضل من مداومة الكتابة في مقاومة تلك القداسة المُستحقة والمُخادعة لعملية الكتابة، والتي تعطل ممارستها تحت ضغط الشعور بعدم الجدارة أمام الكلمة المكتوبة والمنشورة، وأمام نبوغ أصحابها من كبار الأدباء، ممن نقرأ لهم ونعجب بمنجزهم الفريد، فيما نؤكد لأنفسنا دائمًا إلى أنه من المستحيل تكرار روائعهم، ناهيك عن أن يكون هذا التكرار على يد أحد مننا.

ذلك التواضع الزائف لن ينكسر إلا بمداومة انتهاك هذه القدسية بالممارسة المنتظمة، تحويلها من هواية إلى نوع من العمل الجاد، نقلها من عالم الخيال إلى أحد المهام اليومية بما فيها من صعوبات وضجر وإرهاق وفشل، وأحيانًا فقدان ذلك الشيء المبالغ في تقديره ويمسى الشغف، وحتى فقدان الشعور بالجدوى من الفعل واستمراره، وفقدان الوجهة في منتصف الطريق.

أقول التواضع الزائف، لأنه يضمر داخله نوعًا من الغرور، إذ قد يريد أحدنا تأجيل العمل على قصته أو روايته لأنه يرسمها في خياله كأحد أهم مُنجزات عصره، فتنشرها أكبر دور النشر، وتباع من نسخها الآلاف، ويرشح عنها لأبرز الجوائز، وربما ينالها، ولذا، لأنه ليس هناك بعد، في تلك المكانة حيث يستطيع الكتابة كما ينبغي لها أن تكون، وليس كما كانت الكتابة قبل أن يمسك قلمه الاستثنائي، فإنه ينتظر النسخة الأفضل منه، التي ستأتي حتمًا إن انتظرها للوقت الكافي، لتحمل عبء هذه المهمة المُقدسة.

وأظن الفائدة الكبرى من الانخراط في “ورش الكتابة” ليست تحصيل المعارف أو المهارات التي تخص الكتابة، فهي متاحة في كل مكان، وغالبًا بالمجان، وإنما الاختلاط بأقرانك ممن يواجهون نفس التحديات، وربما الأوهام، فتراهم يحاربون نفس معاركك، ويستخدمون أدواتهم الفريدة، أو يشتركون معك في أداة قد تعرفت عليها وحدك، فتحصل على تقدير/تأكيد (Validation) خارجي يعينك على التمسك بها.

ولا شك في أهمية الدور الذي يمارسه مدرب أو ميسر الورشة، بما يوفره من مصادر وأرشادات وتمارين، وإنما أشير هنا لأكثر فائدة لفتت نظري الفترة الماضية.

أما الأداة التي أستطيع مشاركتها مع زملائي في ورش الكتابة وفي هذه النشرة هي الاستمرارية، المداومة، الدأب، سمها كما شئت، أما أنا فأسميها التدنيس اليومي لتقديس الكتابة، وفيها تختبر حميمية فعل الكتابة وقربها، وتلمس أفكارك التي تجدها أنضح بتسويتها على نار الكتابة، وتوسيع حدود عالمك التي تدفعها يومًا بعد يوم إلى الخارج بالممارسة فيصير عالمك المكتوب والملموس أرحب بفضل قلمك أو لوحة مفاتيحك.

مجلة الحائط

يقترح صديقي هاني المصطفى ترشيح كتابًا عن الكتابة في كل عدد، وسأبدأ بتنفيذ مقترحه منذ الآن في قسم خاص بهذا.

وصلتني أول رسالة من زميلتي وصديقتي شيماء جوهر، واعترفت بها أنها فتحت النشرة على سبيل مجاملة صديق – شكرًا يا ستي – ثم وجدت نفسها مستمتعة – شكرًا يا ستي – وأتمنى أن تضم هذه النشرة مساهمة منك من تدويناتك الخفية.

أذكرك يا صديقي أن هذه مساحة حرة لرسائل ومساهمات الأصدقاء، تٌنشر فيها آرائهم وتعليقاتهم، وربما تدويناتهم عن الكتابة إن أرادوا. واستقبلها جميعًا عبر الرد على هذه الرسالة أو عبر بريدي الإلكتروني:

[email protected]


ترشيحات

أرشح للقراءة مقال “المعلمة ديدمونة… تحية السيدة كاريوكا لوليم شكسبير” للصديق الكاتب والمترجم وأشياء أخرى، هاني المصطفى، والمنشور بموقع رصيف 22.

يتناول هذا المقال السينمائي طرح الفنانة تحية كاريوكا، بطلة ومنتجة فيلم “المعلمة” لشخصية ديدمونة، كبنت بلد جدعة وقوية، بعكس ما ظهرت به في نص مسرحية “عطيل” لوليام شكسبير كزوجة بريئة لا تصدق وجود الشر في عالمها.

وكيف حول فيلم كاريوكا النص الشكسبيري إلى عملًا ببطولة نسائية، ويطرح المصطفى مقارنة بديعة للأدوار بين عملي “المعلمة” و”عطيل”، ملقيًا الضوء على عناصر العمل المختلفة من سيناريو وموسيقى وإخراج في هذا الاقتباس ذي الطبيعة الخاصة.

كتاب العدد

رشح كتاب محمد عبد النبي “الحكاية وما فيها.. مبادئ السرد وأسرار وتمارين” للـ (ممارسة) وليس للقراءة، إذ أدعوك يا صديقي أن تقرأ مقالين أو ثلاثة على الأكثر في الجلسة الواحدة بغرض تطبيق بعض تمارينها عمليًا، فتستفيد استفادة كاملة من هذا العمل.

سيعينك هذا الكتماب على عملية ممارسة – واسميها كما أسلفت تدنيس – الكتابة، وفك عثرة الكاتب (Writer block)، والتقاط وتطوير أفكارك على عدة مستويات.

استعن أيضًا بالمصادر التي استند عليها عبد النبي في مقالاته ويكرر الإشارة لها في عدة مواضع، فقد تجد من بينها ما يساعدك في رحلتك مع الكتابة.

نشرت مؤسسة هنداوي الكتاب لأول مرة سنة 2017، وله نسخة إلكترونية مجانية (بصيغ عدة) متاحة على موقع المؤسسة.

أما لهواة الطبعات الورقية، فأعادت دار الكرمة نشر نسخة جديدة ومُزيدة مطلع هذا العام (2023) تزامنًا مع انطلاق فعاليات معرض القاهرة الدولي للكتاب.

عن مصطفى علي أبو مسلم

مصطفى علي أبو مسلم
صحفي ومدير إحصاءات واستراتيجيات الجمهور بمجموعة سبرنجر نيتشر