ASRU

من ينوب عن مومياء أسرو فى الإجابة على سؤال متحف مانشستر؟

كيف نقرأ سؤال المتحف الإنجليزى حول إزالة مومياء مصرية من العرض فى ضوء التاريخ الاستعمارى للمتاحف فى بلادنا.

فى أحد أروقة متحف مانشستر الهادئة، وبين آلاف القطع الأثرية القادمة من ثقافات بعيدة، تستلقى مومياء امرأة مصرية تُدعى أسرو، وكأنها تمثل حضوراً أبدياً رغم مرور 2700 عام على تحنيطها. يضع المتحف إلى جوارها لوحة أنيقة، كُتب عليها بالإنجليزية “هل ينبغى أن نستمر فى عرض جسد أسرو؟“.

يبدو السؤال بسيطًا – بل وتقدميًا – لأول وهلة، لكن من يُمعن النظر قليلًا سيدرك أنه يخفى تحته مستويات تاريخية ثقيلة وملتبسة عن الاستعمار، والهوية، والجسد، والحق فى تبنى سردية خاصة بأصحابها.

بقيت أسرو، وهى سيدة مصرية من مدينة طيبة (الأقصر الآن)، معروضة فى قاعة بريطانية لأكثر من قرنين، بعدما أُحضرت إلى بريطانيا فى أوائل القرن التاسع عشر، فى زمنٍ كان فيه الجسد المصرى يُنقل كأنّه أثر جامد، والهوية تُفكك ثم تُعاد تركيبها وفق الرؤية الإمبراطورية.

والملفت هنا ليس فقط السؤال، بل من يُوجَّه إليه السؤال؟السؤال مكتوب بلغة المستعمر، ويُعرض بين جدران المتحف موجهًا لجمهوره المحلى، وكأنّ الجسد المصرى صار موضوعًا مطروحًا للنقاش دون دعوةٍ لصاحبه الحقيقى. أين أصوات المصريين فى هذا الحوار؟ وأين حقهم فى أن يُسألوا عمّا إذا كانوا يرغبون فى أن تُعرَض رفات أسلافهم على هذا النحو؟

يبدو أن المتحف يكرّس فكرة أن مصر القديمة منفصلة عن مصر المعاصرة، وكأن أسرو لا تمتّ بصلة لملايين المصريات اليوم، رغم أن الموروث الشعبى، والعادات، واللغة، والملامح، كلها تقول العكس.

وفى الحقيقة، لا أكتب هذا النص لأتخذ موقفًا نهائيًا، لا بالرفض ولا بالقبول، وإنما لأقول ببساطة إن الأمر يستحق الدراسة العميقة، ليس فقط على مستوى الأخلاق والمتاحف، بل على مستوى فهمنا لهويتنا وحقوقنا فى تمثيل ماضينا.

السؤال نفسه “هل نعرض الجسد أم لا؟” قد يكون أضيق من أن يُلخّص كل القضية؛ فجوهر النقاش حول آثار الاستعمار لا يتوقف عند عرض أو إخفاء جسد، بل يمتد إلى مسألة أوسع وأخطر: من يُشارك فى اتخاذ القرار؟ ومن له الحق فى بناء ورواية السردية؟

فى تسجيل مصوَّر منشور على موقع المتحف، يتحدث الدكتور كامبل برايس، أمين قسم آثار مصر والسودان فى متحف مانشستر، عن أسرو بوصفها إحدى 18 ألف قطعة مصرية وسودانية “يعتنى بها” المتحف. يروى تفاصيل حياتها ووفاتها وطقوس تحنيطها، ثم يذكر ببساطة أن جسدها أُرسل إلى مانشستر وتم فك لفائفه عام 1825. ويختم التسجيل بدعوة الزوار للإجابة عن سؤال مباشر “هل ينبغى أن نستمر فى عرض جسد أسرو؟”.

هنا يُظهر السؤال مفارقات لا يمكن تجاهلها: كيف يمكننا الحديث عن “العناية” بجسد بشرى، وفى الوقت ذاته، الاحتفال بمرور قرنين على انتهاك جسده بفتح لفائفه دون إذن من أهل أو وطن أو سياق؟ وكيف يمكن أن نعتبر السؤال ديمقراطيًا ومفتوحًا، وهو لا يُطرح إلا باللغة الإنجليزية، داخل جدران المتحف لزواره فقط؟

لا شيء يخصّنا يُقرَّر بدوننا “Nothing about us without us”

هل هذا المبدأ مطبّق فى هذه الحالة؟ هل طُرِح السؤال على المصريين المعاصرين؟ هل استُشيرت المؤسسات الثقافية المصرية؟ وهل سُئلت العائلات التى تنتمى إلى صعيد مصر، حيث دُفنت أسرو قبل آلاف السنين؟

السؤال المطروح عن عرض الجسد من عدمه مهم، لكنه ليس كافيًا؛ فالمطلوب أعمق من قرار تقنى. هل تفكيك الاستعمار يبدأ بإزالة جسد من العرض؟ أم بإعادة الاعتبار للناس الذين جاء هذا الجسد من أرضهم ومن ذاكرتهم؟

ولعل المفارقة الأكثر إثارة للتأمل هى أن هذه المبادرة البريطانية من الممكن أن تُحرّك فينا سؤالًا آخر:هل نعرض، فى متاحفنا، أسلافنابعيوننا أم بعين المتفرج الأجنبى؟

هل نعامل المومياوات فى المتحف المصرى كما نعامل رفات أجدادنا، أم كمجرد “أثر فرعونى” يُعرض للسياح؟ وهل نقدّم المصريين القدماء كأفراد من شجرة عائلتنا الممتدة، أم كأيقونات لزمنٍ لا يمتّ لنا بصلة إلا من باب التسويق السياحى؟ وعلى أساس إن “الأقصر بلدنا بلد سُوّاح”! هكذا نرى المدينة: الأهم هو من يمرّ بها، لا من عاش ويعيش فيها.

أتصور أن بعض متاحفنا ما زال يحمل حسًااستعماريًا، نتيجة لتاريخ نشأتها وتخطيطها. فقد ورثناها عن إدارات أجنبية، صمّمت معروضاتها بطريقة تخاطب السائح وتُرضى الأكاديمى، لكنها كثيرًا ما تُقصى الحسّ الشعبى، وتغفل عن أن هذه المومياوات ليست مجرد آثار لحضارة عظيمة، بل هى رفات أسلافنا

يكفى أن نتأمل تاريخ المتحف المصرى بالتحرير، الذى افتُتح عام 1902، وكان من تصميم المهندس الفرنسى مارسيل دورنون، بإشراف مدير الآثار الفرنسى جاستون ماسبيرو، الذى ترأس “مصلحة الآثار” الخاضعة حينها لإدارة فرنسية كاملة، منذ عهد أوغست مارييت مؤسسها عام 1858.

رؤية ماسبيرو ومارييت، كما توضحها وثائق تلك الفترة، لم تكن موجّهة إلى المجتمع المصرى، بل لخدمة الزائر الأوروبى والأكاديمى الغربي؛فالمتحف بُنى وفقًا لنموذج المتحف الأوروبى الكولونيالي: تصنيف زمنى صارم، فصل بين “الجنائزى والدينى واليومى”، وعرض المومياوات فى قاعات عديمة الروح، تختلف عن الإطار الثقافى للمقابر التى جاءت منها، برسوماتها وألوانها، التى تمنح الزائر مساحةً للتأمل التاريخى والإنساني

لكن ماذا لو كانت رؤية مصرية واضحة هى التى تولّت منذ البداية تصميم المتحف المصرى وإدارته؟ ربما كنا سنشهد متحفًا مختلفًا جذريًا، لا فى البناء فقط، بل فى الفلسفة والمقصد. متحفًا يُخاطب الزائر المصرى مثل الأجنبى، ويضع فى جوهره العلاقة الحيّة بين المصريين وتاريخهم، لا الفجوة بينهم وبين “أطلال حضارة فرعونية”. كان من الممكن أن يُصمَّم المتحف باعتباره امتدادًا روحيًا وثقافيًا للبيت المصرى، لا مجرد قاعة عرض على النمط الأوروبى.

ربما لم تكن المومياوات لتُعرض فى صناديق زجاجية باردة، بل ضمن سياق يُوحى بالاحترام والتأمل، لا الفرجة والانبهار البصرى. وربما كانت اللوحات التعريفية تُكتب من منظور مصرى يُعبّر عن الارتباط بالجذور، لا بلغة أكاديمية تشرح آثارًا لمن لا يعرفها، وتُقصى من يعرفها بحدسه وتاريخه ووجدانه

ولو تحررت المتاحف من الرؤية الاستعمارية المبكرة، لربما كان الخطاب الثقافى المصرى اليوم أقدر على طرح أسئلة الانتماء، والملكية، والعدالة التاريخية، لا أن يكتفى بسرد زمنى محايد، يُخفى أكثر مما يُظهر.

ربما يُحاول متحف مانشستر أن يصحّح أخطاء الماضى، ولو بعد قرنين. ولكن التصحيح الحقيقى لا يكون بالسؤال فقط، بل بمن يُطرح عليه السؤال.

عن أحمد حامد

أحمد حامد، كاتب ومصور يهتم بالتراث والقصص الإنسانية، يوثق الحياة اليومية في الشارع بعدسته، ويكتب للتعرّف على الناس وحكاياتهم.