إعادة تصميم للوحة روايات فرنسية ووردة؛ لفينست فان جوخ (1887) - تصميم: هاجر نبيل، مصممة جرافيك افتراضية

الاحتراق عمدًا (2): لماذا أكتب؟

أنت تعتقد بأن تقرر ما تريد كتابته، لكن الواقع أن الكتابة هى التى تقرر. ولكن كيف تقرر وتختار؟

صديقى العزيز تيفا،

لم أرسل إليك الرسالة السابقة، وربما لن أرسل هذه الرسالة أيضًا. كم هو مريح أن تكتب لنفسك؟ هل تعرف يا صديقى مدى أهمية الكتابة فى حياتى؟ تساءلتُ مرات عدة عن جدوى الكتابة، وهل أستطيع الحياة بدونها؟ هو نفسه السؤال الذى طلبت من عبد الرحمن ابنى سؤاله لنفسه قبل ارتباطه بخطيبته: هل يستطيع الحياة بدونها؟ كانت إجابته وإجابتى هو الارتباط، ارتبطت أنا بالكتابة وارتبط هو بحبيبته.

لا يهُم المردود المادى أو المعنوى من الكتابة، إن توقعت المال من ورائها تحولت إلى عمل مرهق كأى عمل غيره. وبالمناسبة هل تعلم أن من تؤمن الكتابة لهم دخلًا هم نسبة قليلة جدًا مقارنة بكل متمرسى الكتابة.

أما أن يتعامل معك الناس كمؤلف يمدحونه فهذا يضعك تحت المراقبة، وعند ارتكابك لأى خطأ، وهو أمر أكيد، ستُرجم من المادحين؛ فكيف تصبح شخصًا عاديًا يُصيب ويُخطئ بعد أن كنت كاتبًا لا يحق لك الخطأ من وجهة نظرهم.

عندما يتعامل معك الناس كمؤلف تتحول لملجأ لكل سؤال بلا معنى، ومن المتوقع أن تجيب على كل الأسئلة؛ فكيف تقول لا أعرف وأنت المؤلف؟ سينبهرون بك فى البداية، ثم يلعنون أسلافك بعد وقت سواء طال أو قصر لأنك أخطأتَ كالعادة.

إذًا لا فائدة من الكتابة! بالطبع لا، الكتابة تصلح لكل شىء تقريبًا؛ فهى الدواء السحرى الذى يعالج كل الأمراض تقريبًا، فهى تمحو الوحدة، إذ تملأ دنياك شخصياتك المختلفة وتؤنسك وحدتك، وهى تفرج الهم عن النفس، لأنك تتكلم مع شخصيات تفهمك جدًا، نعم شخصياتك هى أولادك وتفهمك.

اكتب يا صديقى لأن الكتابة أسلوب حياة فقط. والسؤال هنا عن هل نكتب ما نريد أو ما يريده الناس؟ السؤال خاطئ التركيب فأنت تعتقد بأن تقرر ما تريد كتابته لكن الواقع أن الكتابة هى التى تقرر. وكيف تقرر وتختار؟ فهذا عن طريق اكتمال الموضوع والشخصيات وأنها بدأت فى التصارع والتطاحن مع بعضها أمامك، نعم أحيانًا كثيرةً أرى الشخصيات رؤية العين، وعندها الموضوع يكتب نفسه.

إلى اللقاء،

معتز

رسائل قديمة:

الاحتراق عمدًا (1): الترويض العكسى للكتابة

عن معتز صلاح

روائى وقاص مصرى، تخرج فى قسم النقد من معهد الفنون المسرحية بالكويت سنة 1996، صدرت له رواية "طقس اختفاء" سنة 2014، وكتاب قصصى بعنوان "هى وأخريات" سنة 2024، كما شارك فى كتابة رواية "سلالم بوذية" مع الكاتبة هبة عبد الحكم. كتب معتز لمجلة فورورد وجريدة الوطن ومجلة عالم الكتاب ومواقع أخرى، وتركز مقالاته النقدية على تأثير الأساطير والمثيلوجيا القديمة على تطور الرواية. ولدى معتز مشروع ممتد فى التدريب على الكتابة يشمل ورش متعددة فى السرد والقصة القصيرة والرواية، ويعمل على مشروع كتاب يجمع فيه خبرته التدريبية فى هذا المجال. يمكنك التواصل مع الكاتب عبر: grmotaz@gmail.com