صديقى العزيز تيفا،
لماذا لم أنادِك باسم “دلع” من قبل؟ سؤال غريب، والأغرب أننى أسأله لنفسى لأول مرة. فى مجتمعنا، يتغير اسم الشخص بحسب كل دائرة اجتماعية؛ فهو محمد بالمدرسة، ومودى فى البيت، وبين أصدقائه يُنادى باسم أبيه؛ خاصة وأن كل زملائه فى الفصل “محمدات”، أما فى العمل فهو “العصفورة”، ومع الزوجة “المدهول”.
صديقى العزيز تيفا، نعم، ستكون تيفا داخل هذه الرسائل، نسختى الخاصة من مصطفى. هل أشكو مصطفى إلى تيفا فى هذه الرسائل؟ ولمَ لا؟ على الأغلب سنتكلم هنا عن معشوقتنا، النمرة التى نحاول ترويضها سويًا أو كل بمفرده؟ تلك العظيمة الباهرة. هل تعلم أننى أقتبس تعبير “النمرة” من كتاب معايشة النمرة للكاتب الفلسطينى جبرا إبراهيم جبرا؟
ورغم أن ليس للكتابة حضور مادى كالجمادات مثلًا، ولا يصبح لها كيان إلا بعد تحررها من الذهن إلى الورق، لكنها تحتل تفكيرى لوقت أطول من أى وقت ارتبطت فيه بأى فتاة.
أراك تضحك وتكذبنى! بدأت تجربتى مع الكتابة أولًا بكلمات وحروف مقفاة تحدث جرسًا وموسيقى “عبيطة”، لم أعرف كيف تتراص الكلمات بهذا الشكل المعجز، وهجرنى الشعر أو طلقته، كيف أبرز فى مجال به بيرم التونسى، فؤاد حداد، وأمل دنقل، أحمد فؤاد نجم، وصلاح جاهين!
ومع دراستى للمسرح تكونت لدى مهارة كتابة القصص، حاولت عبرها إخبار شخص ما بأننى موجود، هنا برغم حبستى بالبيت، برغم عدم وجود أصدقاء لى حتى سنة الثامنة عشرة.
هذه ليست الحكاية، فالحكاية هى أننى أدركت مدى جمال الحروف؛ لأنها تحولت إلى فراشات وحلوى وسكر بودرة وأحيانًا لطاجن مكرونة بشاميل، وكل ما أحب لأنها تملك التحول لكل ما سبق؛ فكتبت.
مهما حاولت الوصف لن أستطيع وصف جمال ذلك الفعل الراقى الأنيق والبسيط. ذلك الفعل الذى تميز به الإنسان عن الحيوان لدرجة وصفنا بأن الإنسان كيان يكتب، لكنه الآن يلجأ إلى الغباء الاصطناعى ليكتب له؟
مع الغوص فى الكتابة تحولت حياتى إلى شىء آخر، خاصة مع تداعى كل شىء حولى، واختفاء حتى حبى الأول والوحيد. زالت كل الملهيات وعادت الكتابة لتحتل عالمى إلى الأبد.
رغم مرور أحداث كثيرة مثل زواجى، ثم ولادة ابنى الحبيب، وبداية عملى كمصور محترف، تضطره مهنته إلى التعامل مع أغراب يوميًا، تخيل يا تيفا شخصًا خجول مثلى يضطر إلى هذا! كانت صدمة كبيرة وحلها، وحل مشاكل كثيرة غيرها، هى العودة إلى الكتابة.
أذكر هذا القرار الذى اتخذته بالعودة إلى الكتابة، وأنا فى طريقى إلى عملى القديم، وكان ذلك بعد فترة توقف عن الكتابة، لا أعرف مدى طولها، لكنها كانت فترة كابوسية. اتخذت قرارى وأنا أعبر خط أبيضَ مرسوم على الأسفلت. شعرت بالراحة، ثم شتمت نفسى مرات: لماذا لم أتخذ هذا القرار بهذا الوضوح قبل الآن؟ هل لأننى صغير أم غير ناضج أم ﻷننى ضعيف الفكر أم كل ما سبق؟
منذ ذلك اليوم والكتابة تحتل كيانى كمعشوقة وحيدة، ونمرة صعبة المراس، لا تطلب أكثر من وقتى بالكامل، كالأنثى التى لا ترضى بأقل من الاهتمام الكامل، وأنت طبعًا تعرف أن “الاهتمام ما بيطلبش”. وإلا فلتأخذ نصيبك من “لوية البوز” وضيق المزاج، فلا تعرف كيف تروضها إلا بمزيد من الانغماس فى الكتابة.
ربما ستكون الكتابة محور حديثنا فى هذه الرسائل يا صديقى تيفا. وفى الحقيقة أننى لا أعرف كيف أخطط للرسائل القادمة، لا أعرف حقًا لكنها تعرف يا صديقى… الكتابة تعرف.
إلى اللقاء،
معتز
- مراجعة لغوية: عبد الرحمن نبيل (شخصية افتراضية مدعومة بالذكاء الاصطناعى)
- تصميمات: هاجر عادل (شخصية افتراضية مدعومة بالذكاء الاصطناعى)
- تحرير: مصطفى على أبو مُسلم (شخصية حقيقية)
على فكرة